عبد الرحمن بن عبد السلام الصفوري الشافعي

207

نزهة المجالس ومنتخب النفائس

( المركب الثاني ) في المعراج من بيت المقدس إلى السماء . قال الأستاذ شرف الدين عيسى السهروردي رضي اللّه عنه : لما علت بهمم الأنبياء المراتب وتفاوتت منازلهم في المناصب تقدم ذكر آدم باصطفائه وإدريس بعليائه ونوح بقبول دعائه وإبراهيم بخلته ووفائه وموسى بخطابه وندائه وعيسى بإنعاشه للميت وإحيائه خرج جاويش الدولة الأحمدية والرسالة المحمدية ناطقا بكريم أوصافه وحسن رعايته وإسعافه وجليل أسمائه وقدره وقد عقدت صناجق عزه بتاج نصره فلم يكن لأحد منهم فضيلة إلا وأعطي محمد مثلها ولم تذكر مدحة إلا كان محمد صلى اللّه عليه وسلم أحق بها وأهلها ، ثم قيل لجبريل ائتنا بصاحب المحل الأسنى المبعوث بالحسنى حتى يفضل على أهل الكونين بمقام قاب قوسين أو أدنى وتلطف في إيقاظه في المنام فهو نائم في المسجد الحرام ادعه لمناجاتي بألطف كلام فإن سألك أين المقام فقل إلى مقام لا تصل إليه الأوهام ولا تجول إليه الأفهام ، فجاء جبريل بالبراق وجلس عند رأس المصطفى حتى أفاق فدعاه للصعود إلى أعلى مراتب السعود فسار المخصوص بالتوفيق وجبريل له خير رفيق حتى وصل إلى المسجد الأقصى وقد عاين في طريقه من العجائب ما لا يحصى جمع اللّه له النبيين الكرام فصلى بهم وهو إمام عليهم أفضل الصلاة وأتم السلام ثم صعد على المعراج إلى العلا فما مر على ملأ من ملائكة إلا رحب به ذلك الملأ وصف في السماء الأولى بأجمل صفاته وخلعت عليه خلعة تصليح تكريم ذاته مرقوم على أكمامها ما يشهد برفع درجاته هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ [ الجمعة : 62 ] وخلع عليه في السماء الثانية خلعة شرف بها على المرسلين مرقوم عليها وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ ( 107 ) [ الأنبياء : 107 ] وخلعت عليه في السماء الثالثة خلعة نال بها فخرا كثيرا مرقوم عليها يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً ( 45 ) [ الأحزاب : 45 ] وخلعت عليه في السماء الرابعة خلعة دار بها في الملكوت مبتهجا مرقوم عليها الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً ( 1 ) [ الكهف : 1 ] وخلعت عليه في السماء الخامسة خلعة زاد بها على المرسلين تعظيما مرقوم عليها إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً ( 56 ) [ الأحزاب : 56 ] وخلعت عليه في السماء السادسة خلعة التكريم مرقوم عليها لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ ( 128 ) [ التوبة : 128 ] وخلعت عليه في السماء السابعة خلعة جر بها على أهل السماء ذيلا مرقوم عليها سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا [ الإسراء : 1 ] وفرق النور الأزهر فتقدم وجبريل عنه تأخر ثم زج في الأنوار ورفعت له الأستار حتى سمع كلام الجبار فقربه وناجاه وآنسه وناداه فقال : السلام عليك ورحمة اللّه . وقال ابن الجوزي رضي اللّه عنه في كتاب الماجريات في الأسئلة والجوابات لما اجتهد من حاز السيادة في أبلغ العبادة واستعظم من في الملأ الأعلى عقله وعرف من في الوجود فضله زاده الكريم تكريما وتفضيلا وأنزل اللّه عليه يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ ( 1 ) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا ( 2 ) [ المزمل : 1 ، 2 ] فقال وعزتك لا زلت في خدمتك حتى تتلف مهجتي وتغفر لأمتي فقيل يا محمد